“تساف حيبوس”

مُلصَق على الكنَبة، منذ الآذانالصلاةُ خيرٌ من النوم، وأنا احاوِلُ أن أنام. أحَد أهمّ الطقوس في ديني، النوم. بينَ الصحوِ والنوم. أختلط مع ما يعجنهُ الصباح من صراخ الديكة اللتي تصرخ كالقحبات في الخارج.

تأتي أمّي وجارتها، وتبدأان بإعداد الخبّيزة. وأنا ملقى في الصالون كجيردة، مغلّف بإحباط ومحاولات فاشلة في النوم وإنهاء عمل ما لا زلت أتوعّد إنهاءه منذ بضعة شهور.

يَطرُقُ أحدهُم الباب، تفتَح أمّي الباب، ويبدأان.. لستُ بكامِل إدراكي. تقف إمرأة عمّي بجانب أمي مشكّلتان حاجزاً عند الباب لمنع الغريب من الدخول. أرفعُ رأسي من على الوسادة وأنظر في المرآة المقابلة للباب وأرى رأساً غريبة.
أنهض وأنتعل حذائي وأمضي إلى الباب لأرى لمن تتبع الرأس واكتَشِف إني أخطأت. لم تكنّ رأس، كُنَّ سبعة. ولم تكن رؤوس، كنّ نعال عسكرية.

مرحبا حيبوس، أحاول أن أتذكّر هذهِ الحادثة في الأفلام، عليَّ طرح سؤال ما، أن أطلب عرض ورقة ما تشرّع هذا الهذا التفتيش. “إفشر لرئوت مممميش لخم ممم… “ (ممكن رؤيةهل لديكم..)

نعم، لدينا تساف حيبوس” (مذكرة تفتيش). يمدُّ لي ورقة، أستلمها.. أنظر إليها.. وأحاوِل القراءة. أكذب إن قلت أنّي فهمت شيئاً. رأيتُ أسم أخي، وإكتفيت.

لحظات من الهدوء. حسناً، ننظر إلى بعضنا، لم أعرف ماذا يتبع، أدعوهم للدخول أم يخترقون طريقهم؟


تهدد أمّي ما حدا بفوت غير ت يجي جوزيأهدّئها وأقول لها أن لا داعي لذلك ولتدعهم يدخلون ليأدّوا واجبَهُم. أبدأ بتخيُّل الصوَر، وسادات ممزقة، أوراق منعوفة، وفوضى مرتّبة. لم تمسَح أمّي المنزل بعد، جيّد.

تتركنا أمّي وتركض إلى غرفة أخي وتغلِق الباب خلفها. أنظر إلى الباب المغلق دون فهم، أنظر إلى النعال.. وننظر سوياً إلى الباب. لم يقل أحدنا شيئاً لكنّي متأكّد من قرائتهم للافتة الكبير اللتي ظهرت فجأة على الباب إبدأ هنا“.

حسناً، بعد دقيقة أو أكثر تعودُ أمّي، أدعوهم للدخول. أحاول إسكات أمّي وإخماد ثرثرتها. أصعد لأصحي أختي النائمة كي تفتح باب غرفتها أيضاً. تفتح الباب وتخرج وتنزل إلى الأسفل مع الحشد اللذي بدأ يتجمّع في الأسفل من جيران، ورجل ما أراه لأوّل مرّة في حياتي.

أسمع صياح عمّي أل تعصبن أوتي، أل تعصبن أوتي، أحاول أن لا أضحك، ثغر آخر عليّ أسكاته.

فش حاجة تصرّخو خليهن يخلصو شغلن على السريع ويروحو

يدخل أحد النعال يده بيد أخي. معالم النعاس تظهر على وجه أخي.

“ “زه هنملاط، هذا الهارب كبيشته ورا الدار

أتفاجئ.

أمّي حين صعدت إلى الغرفة وأغلقت الباب، قد أنذرت أخي النائم المخبول الغير مدرك تماما ماذا يحدث.. “إجو يوخدوك، إجو يوخدوك، وتهرّبهُ من الشباكويهرب لا يعلم لماذا.
قد أمسكَ بهِ أحد النعال وهو يحاول فتح باب بيت عمّي المجاور دون نجاح.

علت على وجهي علامات يلعن اللهواضحة. يحرق حريشكو. “ليه؟أفكّر.

قال لي أخي لاحقاً.
أجت إمي قلتلي إجو يوخدوني،ومن اللخمة خرج من الشباك، وعندما قبضوه عليه قال لهم
مش عارف، فقت ملقيتش أهلي.” كيف تصحو عند باب الجيران بالظبط، لم أعلم تماماً.

أمّي كانت قد قالت لهم عندما سألوها أن أخي بالعمل. وأخي قال لهم أنه كان يبحث عن أهلي.

يتمتم عمّي بصوت عالي، أوجهه إلى الصالون. وأطلب من أمّي السكوت مرّة أخرى..

- “أنا من لبنان جاي.. بخافش من حدا.. صبرا وشتيلا.. لبنان..”

- “يمّا أسكتي خلَص بلا هبَل

كان قد نبّشو كلّ ورقة في غرفة أخي، وحصيلة التفتيش كانت 200 شاقل، نسي أينَ وضعها. فشكَرَهُم.

أنزِل إلى الكراج برفقة إثنين. “دفكو أوتانو” (أكلت خرا) الكراج مليء بمعدّات العمل والكراكيب. يقول أحدهما بأنّه كان عليهم نداء عدّة وحدات لإجراء هذا التفتيش. ثم ينظر إلي ويقول “بيتكو ببين صغير من برا، كتنجي كزه.”

يأتي أبي إلى البيت. يطلب من أمي إعداد القهوة، ويقول للنعل العربي الوحيد بينهم بأنّه في بيت عرب ويسأله ما إذا أراد شرب الشاي أو القهوة.

أردت الصعود لأحتفي ببعض القهوة مع سيجارة. لكن وجب علي البقاء مع النعلين. ثم نزلنا إلى القبو. القبو كان عموماً خرابة بما أنّ أبي كان يجهّز لإعادة بناء وتقسيم.

يأتي ويبدأ بالشرح للنعال. هنا أريد أن أقسّم وأبني غرَف. وفي الأعلى سأزوّج إبني.

أشفق على النعال، عليهم الآن سماع قصص أبي اللتي لا تهم أحد، ورغماً عن ذلك، يبهرني إستعداده دائماً على سرد هذه القصص، ما اللذي يدفعه للشعور بإلحاح كي يسردها دون أن يسألهُ أحَد.

في الأعلى يعود أحد الجنود بعد جولة حوالي البيت، وبيده كعب بندقية هوائية قديمة.

تقفز أمّي من مكانها. “هاي مش من عنّا. هاي شكلها من زمان. من زمن العثمانيّة”

- “يمّا مين سألِك؟لا أعلم لماذا هذا الإصرار بالإجابة على أسئلة لم تطرح.

بالنهاية يطلبون هويّتي وهويّة أخي، كشاهدان على التفتيش.. تصرخ أمي وتحاول منعهم من أخذ هويّتي. “هاد مخصوش, توخدوش هويّته”

خليهن يوخدوها ولاد المنيوكة، كس إمياتهن كلهن ع إم دولتهن ع أم هوياتهن” أفكّر.

في الأخير أجت على خير.
نقزوني خوات الشرموطة، فكّرت وِصِلنا مكتوب عُرس.


 

About these ads